قُصِفت الدوحة وقامت القِمَّة

معتصم سلطان
سبتمبر ٢٠٢٥

قُصِفت الدوحة والعرب من بعد ذاك القصف سيُدرِكون ، في بضع سنين… أن ما قاله الزير سالم كان في محله وآن لهم أن يأخذوا الحكمة من أفواه المجانين.

ولكن قبل أن يدركوا، عليهم أن يقيموا قمة طارئة ليقرؤوا فيها خطاباتهم بلغة عربية ركيكة ينصبون فيها المرفوع مثلما سمحوا للغرب أن ينصب عليهم، ويجرون المنصوب مثلما سيجرّون أذيال الخيبة من بعد هذه القمة.

ألقى أمين عام منظمة التعاون الإسلامي كلمته باللغة الفرنسية، وأتخيل كيف يتقلب ماكرون ضحكاً على هذه المهزلة… يتحدثون عن عدوان الغرب عليهم وهم يتخاطبون بلغة المستعمِر. إنه انتصار تاريخي أن تتكلم منظمة التعاون الإسلامي باللغة الفرنسية فأنت إن لم تتحرر من لغة أسيادك، فكيف ستتحرر من هيمنتهم؟

في بداية العدوان على غزة ناديتُ بأهمية التسلح المتطرف على المستوى الفردي في دول الطوق (المجاورة لدولة الكيان) وإلا إذا جاء الدور عليهم، وهم عزل فسيُذبحون وستعجز حكوماتهم العاجزة في الدفاع عنهم. علينا أن ندرِك أن فشل المستعمِر مقرون بمدى تسلح الشعوب المقاوِمة ولنا في أفغانستان خير مثال، وهذا ليس إلا عاملاً واحداً من بين عوامل كثيرة من بينها التحرر الفكري من المُستعمِر. يُذكر أن أحد السياسيين الأمريكان، وهو يتفاوض مع ممثل حكومة طالبان، أراد أن يزرع الهيبة فيه بالقدرات العسكرية للجندي الأمريكي، وكيف أنه مجهّز بأحدث التقنيات، فردّ الأفغاني عليه وقال:
إنكم لا تفهموننا. فالشاب الأفغاني البسيط لم يستهلك جسده الوجبات الأمريكية المستوردة، ولم يتأثر عقله بأفلام هوليود مثل رامبو وغيرها. فهو عندما يواجه الجندي الأمريكي، لا يرى أمامه إلا رجلاً بمقدرته مواجهته والتغلب عليه!

قال بوب مارلي في أغنية الخلاص
حرروا أنفسكم من العبودية الفكرية
فما من أحد سوانا يستطيع أن يحرر عقولنا

ولكننا لن نتحرر ما دمنا نعيش في نفس هذه الدوامة من العبودية الفكرية بشتى أنواعها وأشكالها. نجح الغرب في إضعافنا ليس بالقوة فحسب، بل بالفكر والتعليم والاقتصاد والسياسة والأخلاق وغيرها. أدركوا نقاط قوتنا، واستطاعوا أن يضربوا ذلك الأساس. فرّق تسُد هي المنهجية التي استخدمها الغرب في استعمار أغلب دول العالم، ولا زلنا نقع فريسة المنهجية ذاتها.

هل سيتغير شيء من بعد هذا القصف؟ ربما ولكنني من بعد ما شهدته خلال العامين الماضيين، أدركت أن الحكومات عاجزة. عجزت الحكومات عن إدخال الماء إلى غزة فهل نتوقع منهم أن يردّوا على الدولة المارقة؟
وبماذا سنردّ عليهم؟
بأسلحة استوردناها من الغرب؟

أدركتُ أننا لسنا أهلٌ للعزة في هذا العالم الذي يُحكم بقانون الغاب. لسنا أهلٌ للعزة وأهل غزة يُقتلون ويجوعون على مرأى العالم وثلاث دول مجاورة لدولة الكيان لم تستطع أن تتحد في وجه هذا العدوان، وهم يرون كيف أنهم يُقصفون واحداً تلو الآخر ولا أحد يحرّك ساكنا، وإن تحرّكوا كان الرد ضعيفاً، ولا يرقى أن يسمى ردعاً وكلٌ على حدة، تمثيلاً للمشهد الذي رسمه الشاعر هشام الجخ على مسرح أمير الشعراء في العام ٢٠١١ بقوله:

ألستم من تعلّمنا على يدِكُمْ
بأنَّ الثعلبَ المكّارَ منتظِرٌ
سيأكلُ نعجةَ الحمقى إذا للنومِ ما خَلَدُوا؟

ألستم من تعلّمنا على يدِكُمْ..
بأنَّ العودَ محميٌّ بحزمتِهِ..
ضعيفٌ حين يَنْفَرِدُ؟

ورأينا كيف أن ذاك القصف طال دولة خليجية موالية وحليفة لأمريكا والجميع مدرِك أن نفس السيناريو سيتكرر وستعجز جميع الدول الإسلامية والعربية في إطلاق رصاصة واحدة ردّاً على هذا العدوان. وكونوا على علم أن القصف لو طال أي دولة أخرى من الدول التي تستهدفها دولة الكيان فالسيناريو سيتكرر، ولو قررت أن توسع كيانها للاستيلاء على أراضي جديدة لتحقيق حلمها بدولتهم الكبرى، فلن نحرّك ساكناً ما دمنا خاضعين للهيمنة الغربية.

فالتحرر الفكري والسياسي والعسكري والاقتصادي أهم من أي وقتٍ مضى، فالسيناريو سيتكرر وستُقصَفُ دول أخرى، وسنجتمع في قمة طارئة لقراءة الخطابات المبتذلة بلغة عربية ركيكة. وحينها قد يتقلب الزير سالم في قبره كمداً على حماقتنا وركاكة لغتنا، وسيصرخ بأعلى صوته ليذكرنا بقوله:

الزيرُ أنشد شِعراً من ضمائره
العزُ بالسيفِ ليس العِزُ بالمالِ!

اترك رد

اكتشاف المزيد من لكي نرتقي فكرياً

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading