من خلال الهاتف المحمول:
انتقل الاستهلاك من المحلات والمولات إلى جيب الشخص.
كما انتقل الإنتاج من المكاتب والمصانع إلى جيب الشخص.

https://www.sdglobaltech.com/blog/healthcare-consumerism-and-what-it-means-to-hospitals
بهذا الانتقال والذي في ظاهره بسيط ولكنه في الواقع كبير ، أترككم مع بعض التأملات في هذا الموضوع:
من جانب الاستهلاك:
بعد أن كان الفرد مستهدفاً بالحملات الإعلانية عندما يكون في المحلات والمولات والمكاتب ، أصبح الفرد مستهدفاً بشكل مستمر في أي وقت يستخدم فيها جهازه المحمول سواء في المجلس أو على طاولة الطعام أو على فراش النوم أو وهو يقضي حاجته في دورة المياه (أكرمكم الله).
بعد أن كان الطفل معزولاً عن الحملات الإعلانية والتي كانت تستهدفه عن طريق الإعلانات التلفزيونية فقط ، أصبح الآن مستهدفاً وهو يستخدم الهاتف والآيباد من غرفة نومه.
بعد أن كان الطفل لا يشتري الألعاب والمنتجات إلا عندما يخرج من المنزل ويدخل المولات ، أصبح الآن يشتري ما تشتهيه نفسه بضغطة زر وهو على أريكة المجلس.
من جانب الإنتاج:
سابقاً كان يلجأ بعض الآباء والأمهات تعليم أبناءهم وبناتهم المسؤولية وتشغيلهم في المشاريع التجارية العائلية. أما الآن يستخدم بعض الآباء والأمهات أبناءهم وبناتهم كسلعة ترويجية للحصول على الشهرة في وسائل التواصل الاجتماعي ورفع القيمة التسويقية لحساباتهم!
كان الفرد في السابق يتوقف عن الإنتاج عندما يغلق باب منزله بعد العودة من العمل لكي يتواصل مع أفراد أسرته ويقوّي علاقته الأسرية والاجتماعية. أما الآن أصبح الفرد متصلاً بالعمل والانتاجية حتى وهو على فراش النوم!
في الماضي كان الفرد يلتقط الصور الشخصية ليحتفظ بالذكرى. أما الآن فأصبح الفرد يلتقط الصور الشخصية ليحصد اللايكات وإعجاب الناس وإثبات وجوده. ويعتقد الفرد أن حصوله على اللايكات ومشاهدات الناس إنجاز بحد ذاته وهو في الواقع لا يُعدّ شيئاً يذكر وذلك لأن الجميع يستطيع القيام بنفس الشيء وبدون أدنى مجهود. وبعد وفاة الشخص سيخلد حسابه ذكراه لبعض الوقت وبعدها يُنسى لأن الكثير من أمثاله يستخدمون نفس وسائل التواصل بالطريقة ذاتها.
عند تفاعل جانبي الاستهلاك والانتاج في زمن الانترنت والتواصل الاجتماعي المفرط فإن المحصلة النهائية أن كل شيء يصبح قابلاً للتسليع (كل شيء يصبح سلعة للبيع والترويج).
الجمال يتحول إلى سلعة – جمال المرأة يتحول إلى أداة للترويج الشرس من شركات وقطاعات شتى فتراها تروج للمكياج واللباس والشنط والساعات والمجوهرات والسيارات والمطاعم ومحلات الورود والقائمة تطول و تطول.
براءة الطفولة تتحول إلى سلعة للترويج – فترى الطفل ببراءته وعفويته يقوم أهله بتصويره وتحويله إلى شخصية مشهورة ومن بعدها يقوم الأهل بالحصول على العروض الترويجية المختلفة من شتى الشركات ويصبح الطفل أداة شرسة للترويج والبيع.
عندما ازداد عدد المتابعون عندي في وسائل التواصل الاجتماعي تلقيت بعض الطلبات لترويج الخدمات والسلع في حسابي. و راجعت نفسي في هذا الشأن لكي أحدد موقفي وما الذي سأفعله إن زاد عدد المتابعين عندي إلى أرقام مغرية للشركات التي تريد الترويج لمنتجاتها. واتخذت قراراً يرضي ضميري:
سأقوم بمساعدة المشاريع بالترويج عن منتجاتها وخدماتها (بمقابل أو بدون مقابل) بشرط أن يكون المنتج أو الخدمة يسمو بروح وعقل المستخدم وتطويره للأفضل. وهذا متوافق مع غايتي في الحياة في تطوير المؤسسات و الإنسان. أما إذا أطريت منتجاً أعجبني فهو من باب التجربة الشخصية ودعماً شخصياً بدون طلب من صاحب الخدمة أو المنتج.
لا أحاول أن أبخس الفوائد التي حققها الانترنت و وسائل التواصل في تسهيل حياة الناس في جوانبها المختلفة. ولكن الانترنت و وسائل التواصل أداة والأدوات مثلما نعلم من التاريخ هي نسبية وقد يستخدمها البعض للخير أو الشر. ولكن بحكم تفضيل معيار الربح والاستهلاك على المعايير الأخلاقية الأخرى في الغرب ، أردت طرح هذا الجانب لعالم التواصل لكي لا ننجرف بلا وعي أو ضوابط.
لا تكن غافلاً فيسهل استغلالك. كن واعياً من هذه الحملة الشرسة لتسليع كل الأشياء ، ولا تسمح لنفسك وأبناءك أن يتحولوا إلى أدوات رأسمالية تخدم أهداف الانتاج والاستهلاك المفرط. وإلا أصبحت أداة من الأدوات في عصر التسليع الشامل. والأداة بعد أن ينتهي غرضها و دورها تُركن على جنب وستبحث الشركات عن أداة جديدة لاستهلاكها للترويج عن منتجاتها وخدماتها.
لكي نرتقي فكريا
معتصم سلطان
