
معتصم سلطان
مايو ٢٠٢٣
عندما كنت في السادسة عشر من عمري ، كنت أطمح أن أدرس في إحدى الجامعات العريقة كـ هارفارد وستانفورد وأوكسفورد وكامبريدج. ولا يزال هذا الحلم وارداً ، ولكن لا يسعني إلا أن أشعر بخيبة أمل من ممارسة هذه الجامعات للوصاية الأخلاقية التي تتوافق مع توجهاتها الفكرية اليسارية دون أن تفسح المجال للرأي الآخر. لدرجة أن يعيش منتسبوها من طلبة أو طاقم التدريس في حالة رعب من انتقاد الفكر المتحرر السائد في الجامعات.
وإن كان يظن البعض أنني أبالغ في هذه النقطة فأتحدى أي طالب جامعي في الغرب سواءً في مرحلة البكالوريوس أو مرحلة الدراسات العليا أن ينتقد أو يعترض على ممارسات جماعات الشذوذ بشكل علني وسيكون مصيره الطرد مثلما أراد قوم لوط أن يخرجو آل لوطٍ لأنهم أناسٌ يتطهرون.
فبالرغم من تحذير العقلاء في الغرب عن مدى خطورة الإدمان على الأفلام الإباحية ومدى تأثيرها على عقل الإنسان ونفسه ، إلا أن الفكر المتحرر والذي وصل لمرحلة الفوضى من فرط تحرره يروّج له بطريقة غير مباشرة.
جامعة أكسفورد التي لا يصل إليها الطالب إلا بشق الأنفس وتحصيل أكاديمي رفيع ومبالغ طائلة.
الجامعة التي لا يصل إليها المحاضر إلا إذا كان صاحب إنجازات أكاديمية مبهرة.
الجامعة التي تستقبل القامات الفكرية ذوي الكتب والأبحاث المنشورة والنظريات المُحْكَمة.
جامعة أكسفورد (عن طريق اتحاد طلبة أكسفورد) اليوم تستضيف ممثلة أفلام إباحية سابقة! قامت الجامعة باستضافتها على منصة حوارية وذلك للتحاور معها في فعالية حضرها العديد من طلبة الجامعة وطاقم التدريس!
قد يتعجب البعض من ظاهرة شهرة التافهين والمنحطين ولكن إذا عرفنا المراحل الفكرية الكبرى التي مر عليها الغرب خلال المئتي سنة الماضية ، ستتضح الكثير من الأمور التي يعجز العقل أحيانا من تفسيرها. سأذكر بالتحديد موجتان من ضمن موجات كثيرة مر بها الغرب منذ عصر التنوير إلى اليوم:
الموجة الأولى – موجة الحداثة:
والتي يختلف الباحثون في دوافع ظهورها ولكن النظرية الأكثر قبولا هي أن الحداثة كظاهرة فكرية واجتماعية ظهرت كردة فعل على الثورة الصناعية في منتصف القرن التاسع عشر. ومن أبرز ملامح عصر الحداثة كامنة في التركيز على:
1. تسيّد العقل
2. الفردانية عوضا عن الجماعية
3. السعي للوصول إلى الحقائق الكبرى للوجود وتفسير العالم من منظور عالمي
4. روح التجربة حيث أن الحياة لا تحلو إلا بالتجربة (تجربة كل شيء وأي شيء)
5. نبذ التقاليد والتراث والمجتمع وقيمه والتركيز على التجديد
الموجة الثانية – موجة ما بعد الحداثة:
والتي كانت بمثابة انتقاد لموجة الحداثة ولو كانت تتشابه مع بعض مرتكزاتها. وهذه الموجة بدأت ملامحها بالظهور خلال الحرب العالمية الثانية ، والتي من أبرز ملامحها:
1. تفكيك الثنائيات والأضداد (تفكيك الجندر والأخلاق وفكرة الخير والشر…الخ)
2. التركيز على النسبية الشخصية والنظر للأمور من منظور نسبي (نسبة للشخص)
3. دحض السرديات الكبرى أو الحقائق الكبرى للوجود (الله ، الدين ، الفلسفات الكبرى…الخ)
4. تعزيز الثقافة السائدة التي تعزز المنفعة الشخصية واللذة الآنية كثقافة الاستهلاك
5. ثقافة التهكم والسخرية من خلال الفن والأدب كأداة لنقد التراث والمجتمع والتقاليد والتاريخ والحقائق الكبرى التي يؤمن بها المجتمع كالأخلاق والدين وغيرها.
عندما يدرك الفرد مرتكزات عصر الحداثة وما بعد الحداثة وكيف أنها تخلق نظاما يتحرك من تلقاء ذاته. والذي من أبرز مميزاته “تقدم البشرية” في شتى المجالات ولكن من سلبياته أيضاً التقدم بلا ضوابط ولا أسس أو غاية ، لن يتعجب من ظاهرة تسيّد التافهين. فما بعد الحداثة تستند على سيولة المفاهيم والقيم وتتيح للوضيع والتافه والمنحط أن يتصدر منصة أرقى جامعة والتكلم في حضرة أنبه العقول بينما يجلس العاقل (والذي يحوله النظام إلى إنسان تافه تلقائياً) بدفتره وجهازه ليدون ما تقوله ممثلة الأفلام الإباحية من أفكار عظيمة!
وكأنها رسالة للنشأ ، أن الغاية تبرر الوسيلة والشهرة وإن توصّلت إليها عن طريق التمثيل في أفلام إباحية أو غيرها من الوسائل الوضيعة فإنها قد توصلك في فترة زمنية قياسية إلى منصات أرقى الجامعات!
صدق الدكتور آلان دونو ، مؤلف كتاب “نظام التفاهة” عندما قال:
“إن التافهين قد حسموا المعركة ، وربحوا الحرب ، وسيطروا على عالمنا وباتوا يحكمونه. لقد سيطر التافهون على العالم!”
ولكن في ظل هذا التشاؤم من الوضع الحالي ، أراها فرصة لشروق موجة فكرية وثقافية تحل محل الوضع الحالي. فالأفكار الكبرى التي أسسها المفكرون على مدى التاريخ كانت في أغلبها ردة فعل على الوضع الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي ودور الفكرة في إيجاد حل للإشكاليات التي يعاني منها البشر في تلك الحقبة.
لكي نرتقي فكرياً…
