مابين قوى الخير والشر: تشرشل وهتلر كنموذج!

معتصم سلطان
نوفمبر ٢٠٢٣

تشير التقديرات إلى أن عدد السكان الأصليين في أستراليا كان في حدود المليون فرد قبل مجيء المستعمر الإنكليزي. كما تشير التقديرات إلى أن المستعمر الإنكليزي قام بعملية إبادة ممنهجة واستيطان إحلالي (حلّ مكان المواطن الأصلي) إلى أن تضاءلت نسبة السكان الأصليين في أستراليا اليوم إلى ما دون ٥٪ ؜ من السكان. وتحاول الحكومة الأسترالية والتي في أصلها استعمارية بعد ٢٠٠ سنة من الاحتلال والإبادة أن تحافظ عليهم وكأنهم كائنات مهددة بالانقراض. فأقامت لهم المتاحف والمراكز الثقافية لحفظ ما تبقى من ثقافتهم، مشكورين على حسن نواياهم!

وإذا ما عبرنا المحيط الهادي، فإن التقديرات تشير أن المستعمر الأوروبي ساهم في إبادة ٥٠ مليوناً من الهنود الحمر خلال ٤٠٠ سنة من الاستعمار إلى أن تضاءل عددهم إلى ما دون ٤ ملايين اليوم. وتكررت القصة مجددا، وأقاموا لهم المحميات وكأنهم كائنات مهددة بالانقراض. وللمقارنة ففي نفس فترة استيطان أمريكا الشمالية ذات الـ ٥٠ مليون نسمة، كانت الكثافة السكانية لقارة أوروبا كلها لا يتجاوز ٧٠ مليوناً! ولكي نقرّب وجه المقارنة بزماننا اليوم، فإن عدد سكان إيطاليا ٥٩ مليون نسمة. هل لكم أن تتخيلوا قيام دولة باستعمار إيطاليا وإبادة شعبها بالكامل بتاريخها وثقافتها ولغتها؟

المثير في الموضوع أن الغرب صور هتلر على أنه أكبر مجرم عرفته البشرية وخصمه اللدود في الحرب العالمية الثانية هو ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا. كما هو معلوم عند الجميع، كان هتلر عنصرياً، ويؤمن بتفوق العرق الآري، والذي بناءً عليه (وعلى مبررات أخرى) ارتكب المجازر ضد اليهود والأعراق الأخرى والفئات التي استهدفها. وبحكم “ألمانية” النظام النازي، كانت المحرقة تعمل بكفاءة عالية وسرعة هائلة. حيث إنهم تعاملوا مع الضحايا وكأنهم أرقام عليهم أن ينتهوا من إبادتها حسب الجدول الزمني المتفق عليه وكأنهم يعملون في خط إنتاج مصنع.

وفي الطرف الآخر من المعركة نرى ونستون تشرشل (رئيس وزراء بريطانيا)، والذي أدى دور العدو اللدود لهتلر، وقد يعتقد الواحد أنه بحكم العداوة، فإن أحدهما يمثل قوى الشر والآخر يمثل قوى الخير. وبطبيعة الحال لا يمكن لهتلر أن يكون خيّراً لذلك فإن تشرشل هو البطل الخيّر هنا. وهذا الذي صوره لنا الإعلام الغربي وبطبيعته الانتقائية يصور لنا الشرير والبطل كيفما يريد هو تحقيقاً لمصالحه. ولكن الذي يقرأ في فكر تشرشل يدرك أنه يتشارك مع هتلر في عنصريته، وهذا مثبت في خطاباته المختلفة ولكني أقتصر على خطابه أمام اللجنة الملكية الفلسطينية في العام ١٩٣٧ حيث قال: 

“لا أعتقد أن الكلب الذي يسكن في الإسطبل له الحق في ملكية الإسطبل فقط لأنه سكن فيه لفترة طويلة. وبالمثل فأنا لا أعترف، على سبيل المثال، بأننا ارتكبنا خطأ جسيماً في حق الهنود الحمر في أمريكا أو السكان الأصليين السود في أستراليا. أؤكد أنني لا أؤمن بارتكاب أي خطأ في حق هؤلاء الناس. كل ما في الأمر أن عرقًا أقوى، وأعلى درجة، وأكثر حكمة، إن جاز لي التعبير، قد جاء وحلّ محلّهم”

تشرشل هنا في خطاب لا يتجاوز ١٠٠ كلمة، يبرر إبادة ٥٠ مليون إنسان من عرق آخر؛ لأن كل ما في الأمر أن العرق (الآخر) الذي أُبيد هو أضعف وأقل درجة وأقل حكمة! بنفس هذا المنطق نشاهد تعامل الدول الغربية التي تنادي بحقوق الإنسان، ونرى تناقضها في التعامل مع إخواننا في غزة.

السياسي الغربي لا يفهم إلا منطق القوة، لأنك في نظرهم أقل درجة وأقل حكمة، وإذا كنت ضعيفاً، ووقفت ضد مصالحهم، فمن حقهم إبادتك! فإن صادقوك اليوم، فذلك إما لأنهم يهابونك بسبب قوتك أو لأنك تخدم مصالحهم، وإن تطلب الأمر عليك أن تلعق أحذيتهم، وتحني رأسك لهم ليتخذوك مطيةً لأهدافهم. وتراهم يستهزئون بك خلف الأبواب المغلقة مثل حال أغلب سياسييهم، أو يستهزئون بك علناً مثل حال دونالد ترامب.

هل اتضحت الصورة وسبب هذا التحامل الغربي السياسي علينا وعدم اهتمامهم بحياتنا وعدم مبالاتهم، بمقتل الآلاف منا؟ هل عرفت الآن لماذا يبكي الطبيب النفسي جوردان بيترسون من الحالة النفسية التعيسة التي يعيشها الشاب الغربي الأبيض اليوم، ولا يرف له جفن عند مشهد مقتل الآلاف من أطفال غزة؟

عليك أن تفهم سياساتهم وأساليبهم لتعرف كيف تتعامل معهم وإلا أصبحت أضحوكةً ومهزلة يتلاعبون بك كيفما يشاؤون. فتراهم يسحقونك سحقاً لعقود، ومن بعدها يأتي جيل آخر يعتذر لك على الجرائم التي ارتكبها أجداده! وحينها سيقيمون لك النصب التذكارية وتماثيل المناضلين من أجدادك، ويبنون لك المراكز الثقافية والمتاحف حفظاً لما تبقى من تاريخك.

الأحداث الحالية للعام ٢٠٢٣ في غزة أسقطت أقنعة الغرب، وكشفت لنا وجوههم الحقيقية، وهذا درسٌ لنا يجب علينا أن ندوّنه بماء من ذهب وعلينا أن نغرسه في النشئ، وفي أطفالنا لكي لا ينخدعوا هم كذلك بالإنسانية المزيفة التي ينادون بها. وألا نقزّم أنفسنا تجاههم أبداً، وكما قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): “لست بالخُب ولا الخُبّ يخدعني” فالمؤمن كيّسٌ فطِن.

لكي نرتقي فكرياً.

لا توجد آراء بشأن "مابين قوى الخير والشر: تشرشل وهتلر كنموذج!"

اترك ردإلغاء الرد

اكتشاف المزيد من لكي نرتقي فكرياً

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

Exit mobile version